ابن ميثم البحراني

209

شرح نهج البلاغة

العقاب عنهم وإبعادهم عن النار واطمينان الدار الَّتي هي الجنّة بهم ورضاهم بها مثوى وقرارا ترغيبا في التقوى بذكر لوازمها . ثمّ أردف ذلك بصفات المتقيّن أيضا عمّا عساه لا يعرفها فقال : هم الَّذين كانت أعمالهم في الدنيا زاكية : أي طاهرة من الرياء والشرك الخفيّ ، وأعينهم باكية : أي من خشية اللَّه وخوف عقابه وحرمانه ، وكان ليلهم في دنياهم نهارا في كونه محلّ حركاتهم في عبادة ربّهم وتخشّعهم له واستغفارهم إيّاه فأشبه النهار الَّذي هو محلّ حركات الخلق . ولهذا الشبه استعار لفظ النهار للَّيل وكذلك استعار لفظ الليل للنهار ، ووجه الاستعارة كون النهار محلا لتوحّشهم من الخلق وانقطاعهم عنه واعتزالهم إيّاهم كالليل الَّذي هو محلّ انقطاع الناس بعضهم عن بعض وافتراقهم ، وفي نسخه الرضيّ - رحمه اللَّه - بخطَّه : كأنّ . للتشبيه رفع نهارا في القرينة الأولى ، ورفع ليلا في الثانية . ووجه التشبيه هو ما ذكرناه . وكأنّه يقول : فلمّا استعدّوا بتلك الصفات للحصول على الفضائل والكمالات واستوجبوا رضى اللَّه تعالى عنهم جعل اللَّه لهم الجنّة مرجعا ومآبا أعدّ فيها من جزاء النعيم ثوابا وكانوا أحقّ بها وأهلها . وهو اقتباس . وقوله : في ملك . إلى قوله : قائم . أي مقيم ، تفسير للجزاء . ثمّ أكَّد الأمر بالتقوى برعايتها في عبارة أخرى نبّه فيها على بعض لوازمها ، وذلك أنّ فوز الفائزين إنّما يكون بالتقوى ولزوم الأعمال الصالحات ، والمبطلون هم الَّذين لا حقّ معهم فهم الخارجون عن التقوى الحقّة . وإنّما يلحقهم الخسران بالخروج عنها . وقوله : بادروا آجالكم بأعمالكم . كقوله : بادروا الموت : أي وسابقوا آجالكم بالأعمال الصالحات إلى الاستعداد بها قبل أن يسبقكم إلى أنفسكم فيقطعكم عن الاستعداد بتحصيل الأزواد ليوم المعاد ، ونبّههم بقوله : فإنّكم . إلى قوله : قدّمتم . على ارتهانهم بذنوبهم السالفة والجزاء عليها في القيامة ليسارعوا إلى فكاكها بالأعمال الصالحة والسلامة من الجزاء عليها ، ولفظ المرتهن مستعار للنفوس الآثمة باعتبار تقيّدها بالسيّئة وإطلاقها